عروض تعريفية

 

مشروع إحصاء ملفات الضحايا

المزيد

الكادر

 

يعتمد المركز في عمله على كوادر شابة تجد في أعمال المركز المكان المناسب للانخراط بالنشاط الشخصي البناء على أساس التوافق على الرؤية المستقبلية المشتركة لسوريا المستقبل، حيث الكفاءة و الخلق هما المعيار الحامي لمفهوم تكافئ الفرص على أساس عادل.

 

المزيد

دراسة حول أسباب عدم نجاح مجموعات العمل الجماعية في سوريا

دراسة حول أسباب عدم نجاح مجموعات العمل الجماعية في سوريا

 

يتناقل الكثير من السوريين مقولة منسوبة للرئيس الراحل شكري القوتلي حيث قال لجمال عبد الناصر في معرض تسليمه السلطة إبان الوحدة بين سوريا و مصر عام ١٩٥٨ مفادها ( سأسلمك شعباً نصفه زعماء ونصفه الآخر أنبياء). لعله يعني بذلك أن عموم الشعب السوري كبير الطموح وصعب القياد. و لعل تجربة الثورة السورية خلال السنتين الفائتتين وتكاثر الأشخاص والكيانات والهيئات التي ادعت تمثيل الشعب السوري وتنافست على قيادته تؤكد هذا المعنى.

رغم أن المقولة المنسوبة للراحل شكري القوتلي عمرها أكثر من 56 سنة إلا أن هذه الظاهرة لم تحظَ بدراسة حقيقية تختبر صحتها وتحلل أسبابها و تقترح حلولاً للتعامل معها. و لعل مثل هذه الدراسة أصبحت اليوم في ظل ظروف الثورة الشعبية التي تعيشها سوريا أكثر إلحاحا و ضرورة من أي وقت مضى.

سبق وأن أشرت في مقال سابق (نظرة إدارية نقدية للكيانات والتنظيمات الثورية السورية) إلى بعض أسباب الفشل الإداري لهذه الكيانات من خلال التعرض لبعض جوانب الضعف في الهيكليات الإدارية لهذه الكيانات.  و فيما يلي محاولة بحثية على مستوى التحليل الاجتماعي تحاول أن تفتح الباب لفهم أسباب تكاثر الكيانات الثورية و العسكرية و السياسية التي ظهرت في ظل الثورة الشعبية السورية و من بعد ذلك انفراط عقد الكثير منها مبكرا قبل أن تنجز أهدافها التي تأسست من أجلها. و كذلك من أجل إقتراح حلول تعالج هذا القصور في الكيانات و المنظمات المعنية.

 

1 نشوء المجموعات و خصائصها

عندما يتواصل أي شخصين لفترة زمنية كافية تنشأ بينهما علاقة معينة لها مواصفات و محددات تحدد إطار التعامل فيما بينهما و عندما يقومان بتنظيم هذه العلاقة يصبحان فريق عمل.  كلما ازداد عدد أعضاء الفريق تصبح هذه العلاقة أعقد و تتعدد أبعادها. و يمكن إيجاز خصائص أي فريق عمل بما يلي:

 

1ـ 1 أهداف المجموعة:

يعيش الإنسان في الحياة ضمن مجموعات يضطلع ضمنها بأدوار مختلفة: فهو أب في المنزل و موظف في الشركة و عضو في مجموعة عمل سياسية. كل مجموعة من هذه المجموعات تقوم لأجل تحقيق أهداف محددة هي الغاية من العمل الجماعي ضمن فريق. و عادة ما يتحقق الإنسجام و التفاهم بين أعضاء الفريق الواحد بالقدر الذي يتحقق فيه الفهم المشترك لأهداف هذه المجموعة. وجود هذه الأهداف و وجود الفهم المشترك الصحيح لها و وضعها في خطة عمل قابلة للتنفيذ يخلق للمجموعة مشروع عمل يستقطب طاقاتها و يطور كفاءاتها و يمكنها من زيادة التواصل بين أفرادها مما يعمق شعور الإنتماء ويخلق مفهوم "نحن" على حساب مفهوم "الأنا" و يقارب بين وجهات النظر و السلوكيات بين أفرادها المختلفين كما يساعد أفرادها على بلورة أدوارهم فيها و فهمهم لواجباتهم و حقوقهم بشكل أفضل. وفي نفس الوقت فإن غياب هذا المشروع و خاصة في الفترة الأولى بعد تأسيس المجموعة أو الكيان المعني سيؤدي إلى فقدان هذا الوسط أو المركز الذي سيجمع الأطراف المختلفة حوله و بالتالي سيكون التواصل بين الأفراد ضعيفاً و العمل الجماعي شبه معدوم مما سيؤدي بكل فرد من أفراد المجموعة للبحث عن دور له يؤديه خارج إطار المجموعة و بالنتيجة لن يكون لديه وقت للعمل مستقبلا في إطار المجموعة. أو سيؤدي إلى إنشغال أعضاء المجموعة بالخلافات الإدارية و التنظيمية أو العقائدية و الإيديولوجية فيما بينهم. مما ينقل العمل إلى سكة التأزم و يجعله عرضةً للانحلال.

في الكثير من الكيانات التي إجتمعنا بها في ظل الثورة كان الهدف من تشكيلها هو شعارات كبيرة اعتُبرت أهدافاً مثل: إسقاط النظام، توحيد القوى الثورية في سوريا، بناء الدولة المدنية، بناء الدولة الإسلامية أو دولة الخلافة. و بعد إجتماعهم عدة إجتماعات يحاول أعضاء هذه الكيانات تحويل هذه الشعارات إلى أهداف واقعية ومرحلية قابلة للتنفيذ, و لكنهم يكتشفون أنهم غير متفقين على طريقة تحقيق هذه الأهداف المرحلية رغم إتفاقهم على الشعارات الكبرى، مما يؤدي عمليا إلى موات مجموعتهم قبل بدئها بالعمل. وفي حالات أخرى يتفقوا على الأهداف المرحلية و لكنهم يعجزون عن تحويلها لمشروع عملي قابل للتنفيذ و ذلك إما لنقص الخبرات أو نقص الكفاءات أو لعدم ملائمة الظروف و بالتالي تبقى المجموعة لفترة طويلة بدون عمل حقيقي سوى الإجتماعات الدورية التي يتناقص عدد الملتزمون بها مع الأيام حتى تنتهي المجموعة و تتلاشى.

 

اختلاف الأهداف الشخصية عن أهداف المجموعة:

في ظل الثورة اجتمع ناشطون كثيرون كان القاسم المشترك بينهم هو الرغبة بالتغيير مما دفعهم لبناء مجموعات عمل من أجل تنظيم عملهم لتحقيق هذا الهدف المشترك. في بعض الأحيان، قد تتوفر لمجموعة عمل ما كامل أسباب النجاح، حيث تكون لديها أهداف واضحة و محددة و طريقة واضحة لتحقيق هذه الأهداف. إلا أن العنصر البشري في أية مجموعة يتطور دائماً مع الزمن، و قد تختلف مصالح أحد الأعضاء الشخصية عن مصالح المجموعة مع مرور الأيام فيقدم مصالحه بالشكل الذي يؤذي عمل المجموعة. أو قد تتوفر له من خلال عمله في المجموعة  فرص تتيح له تحقيق مصالح شخصية على حساب المجموعة مما يولد لدى باقي أعضاء المجموعة شعور بالغبن و الخديعة، وهذا يؤدي بدوره إلى شلل المجموعة و توقفها عن الإنتاج لإختلال العلاقات بين أفرادها و إفتقادها للحد الأدنى اللازم من الثقة الذي يؤهلها للإستمرار في العمل.

 

1-2 قواعد ونواظم العلاقات داخل فريق العمل:

عادة ما تنشأ هذه القواعد و النواظم بشكل طبيعي أو غير واعٍ فتكون أشبه بالقواعد غير المكتوبة و المستمدة عادة من البيئة التي نشأ بها فريق العمل أو من طبيعة العلاقات بين أعضاء الفريق. فكل فريق عمل يكون لديه تصور لما هو صحيح و ما هو خاطىء و ما هو مقبول و ما هو غير مقبول. و تساهم النشاطات الجماعية التي يقوم بها أي فريق في تقريب وجهات النظر و تعميق الفهم المشترك لأهداف الفريق و كذلك لضوابط و قواعد العمل الجماعي. هذه القواعد قد تتحول فيما بعد إلى قيم خاصة بالمجموعة يعرف بها أفرادها أنفسهم من خلال ذكر كلمة "نحن" أي من خلال شعورهم بالإنتماء للمجموعة. فعلى سبيل المثال: أذكر أحد الأعضاء في فريق العمل الذي كان يقاطع جلسات الإجتماعات دائما لطرح قضايا جانبية أو ليست مدرجة على جدول الأعمال. وعندما تكرر الأمر تم زجره من العديد من الأعضاء لمخالفته ما هو معروف بالبديهة من إلتزام بجدول الأعمال. كما أن هناك أيضا شخص كان يوجه إعتراضاته من خلال التعريض للأشخاص بدل التعريض للسلوك الذي يزعجه مما جعله منبوذا من باقي الفريق و رفض الآخرين التعامل معه.

تقوم كل مجموعة بحماية الضوابط و القواعد الخاصة بها أيضا بشكل تلقائي من خلال إزدرائها للشخص الذي يخل بهذه القواعد و التعامل معه على أنه غير منضبط أو ربما منبوذ. و في أغلب الأحيان يتم تثبيت هذه القواعد من خلال محاولة البعض خرقها فتتم معاقبتهم بالشكل الذي يثبت هذه القواعد و يعلم جميع الأفراد الحدود التي لا يسمح لهم بتجاوزها.

يتم تغيير هذه القواعد عادة بشكل تلقائي و بطيء يبدأ في اللاوعي نتيجة تغير ظروف المجموعة و ينتهي بالتنفيذ. أو يبدأ لدى بعض الأفراد الذين يكسرون بعض القواعد و يفرضون قواعد جديدة كأمر واقع، و في حال تعايش باقي الفريق مع القواعد الجيدة يكونوا بذلك قد غيروا قواعد و نواظم مجموعتهم. و في حال تم رفض التغيير من باقي المجموعة قد يؤدي ذلك إلى صراع على النفوذ من أجل تحديد قواعد المجموعة.

 

كيفية التعامل مع من يخل بقواعد المجموعة أو الخارجين عن هذه النواظم:

في كل مجموعة هناك دائما من لا ينسجم مع بعض قواعدها و يخل بها بشكل مستمر رغم أنه ينتمي للمجموعة لإيمانه بأهدافها و لقبوله بالدور المناط به فيها. وجود هؤلاء الأشخاص يعتبر طبيعي و ضروري في كل مجموعة حيث أنه يقوي الروابط و يزيد التماسك بين باقي أفراد المجموعة لأنه يعمق مفهوم "نحن" لديهم و يدفعهم لتعريف أنفسهم بالتمايز عنه نظرا لإلتزامهم بالقواعد التي قام هو بخرقها. و في كثير من الأحيان تقوم المجموعة بتفريغ الإحتقانات و الخلافات الداخلية لديها من خلال توجيه الخلافات و الأنظار للخروقات التي يقوم بها الأشخاص الذين لا يلتزمون بالقواعد المتفق عليها. وجود مثل هؤلاء الأشخاص يجعلهم كبش فداء للكثير من مشاكل المجموعة و يعمق شعور القوة و النفوذ للجهة التي تعد نفسها الحامية لقواعد و نواظم المجموعة.

العديد من الكيانات و التنظيمات المختلفة التي عايشتها كانت تسعى دائما لطرد مثل هؤلاء من المجموعة عند أول فرصة. و الحقيقة و بما أن مفهوم الإلتزام نسبي فإنه بعد أن يتحقق لها مرادها تبحث عن غيرهم من الأفراد الأقل إلتزاما بعادات و قواعد المجموعة و تحولهم لمنبوذين جدد و تسعى لطردهم لدى أقرب فرصة أخرى. أو أن الطاقات التي كانت تصرف على الخلافات مع المنبوذين المطرودين سيتم تحويلها إلى تجاذب للنفوذ حول صلاحيات فرض القواعد و النواظم مع الأطراف الأقل إنسجاما مع المجموعة التي سعت لطرد المنبوذين الأوائل و بالتالي سيؤدي إخراج المنبوذين إلى إضعاف المجموعة و إشتغالها بالصراعات الداخلية. في فرق العمل التي تعتمد هذه السلوكيات يسود الخوف و الإنغلاق و لا تتمتع بقابلية النمو و التطور.

تجدر الإشارة أنه في بعض الأحيان يتحول بعض أفراد المجموعة لمنبوذين ليس لأنهم خرقوا العادات و التقاليد و القواعد و لكن لأنهم مختلفون فقط: كأن يكون من منطقة مختلفة عن باقي المجموعة أو يتكلم بلهجة مختلفة أو ينتمي لطائفة أخرى أو شريحة إجتماعية مختلفة و بالتالي سيتم التعامل معه على أنه الآخر المختلف في المجموعة و سيكون من الصعب عليه جدا أن يخرج من هذا الدور. و عادة ما تظهر هذه السلوكيات في المجموعات المنغلقة على أنفسها و غير القادرة على إستيعاب المختلف عنها.

في مجموعات العمل المنفتحة و التي إكتسبت القدرة على التعامل مع الآخر المختلف يتم التحاور معه و النظر له على أنه عامل إغناء لأنه يستطيع النظر من خارج الصندوق و يملك نظرة مختلفة قد تضيء للآخرين زوايا مظلمة لم يكونوا قادرين على رؤيتها. و في نفس الوقت وجود هذا النوع من الأشخاص يشكل ضمانة و حماية للفريق من التحجر و الإنغلاق نتيجة سيادة النظرة الموحدة المنسجمة تجاه أغلب القضايا لدى أعضاء الفريق و في نفس الوقت يعطي الفريق فرصة مستمرة بمراجعة القواعد و النظم و حتى مراجعة الأهداف و البديهيات المتفق عليها للفريق بما يسمح له بالتطور المستمر و مواكبة العصر و عدم الإبتعاد عن الواقع.

 

1-3 توزع الأدوار و المسؤوليات:

في كل علاقة مستقرة تنشأ بين إثنين يكون هناك تصور من كل طرف ماذا سيقدم له الطرف الآخر. بناء على هذه التصورات و التوقعات ينشأ توزيع أدوار تلقائي يرتضيه كلا الطرفين مثل علاقة الأستاذ و الطالب, أو الموظف و مديره في العمل, الجندي و رئيسه, الزوج و الزوجة.

بعض هذه الأدوار نختاره بأنفسنا و البعض الآخر قد يفرض علينا. و هذا الأخير يخضع عادة للتصنيفات الإجتماعية و العرف و الثقافة السارية في المجتمع. فإذا كنت ملتحي و تصلي قد يتم تصنيفك في فريق العمل كإسلامي و ينتظر منك أن تتصرف وفق هذا التصنيف أما إذا كان أسمك الحركي جيفارا فسيتم تصنيفك أنك يساري و ينتظر منك أيضا أن تتصرف وفق هذا التصنيف. و هذا ما يمكن تسميته بالتصنيف الأولي. و أحيانا تتحول هذه الأدوار لقالب لصاحبها أو سجن له يصعب عليه الخروج منه. من خلال العمل و الممارسة يأخذ كل شخص دور له في الفريق و مكانة معينة يفرضها عادة إما من خلال عمله أو من خلال تراتبية معينة تحكم العلاقات في فريق العمل.

 

 تعارض الأدوار:

خلال عمل الفريق يتطور أداء أعضاء الفريق و تتطور شخصياتهم. و هو تطور تأتي به التجربة، حيث أن العلاقة بين التجربة و بين أفرادها هي علاقة نمو متبادل، فالتجربة تنمو بأفرادها و العكس صحيح، و نتيجة لهذا التطور قد تصبح بعض الأدوار غير ملائمة لبعض الأفراد. ففلان مثلا كان دوره دائما هو الهتاف في المظاهرات و الآن يرى بنفسه الكفاءة و القدرة على تنظيم المظاهرات. و آخر كان دوره فقط رفع الأخبار إلى القنوات الإعلامية و يرغب اليوم بالظهور على الشاشات كمتحدث إعلامي و آخر كان عضو أمانة عامة و يرغب أن يكون اليوم في المكتب التنفيذي. هذا التطور الذي يشعل الطموح للتغيير لدى الإنسان قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تضارب المصالح نتيجة لتعارض الأدوار.

بعد نشوء المجموعات و بدأها في العمل يكون كل عضو قد أخذ مكانه و أي تبديل في الأدوار سينجم عنه تعارض و تضارب يستوجب الحل و إلا فإنه سيؤدي إلى التنافس الهدام. ففلان يريد أن يكون الناطق باسم المجموعة بعد أن كان مراسل لها مع العلم أنه لدى المجموعة ناطق باسمها. في هذا الحال قد يبدأ كل طرف ببناء تحالفات لإستقطاب الآخرين لطرفه من أجل تحقيق مصالحه أو الحفاظ عليها مما يؤدي إلى حدوث إضطراب في العلاقات في المجموعة. و سيؤدي ذلك  لتشكيل مجموعات متناحرة داخل مجموعة العمل و تقسيم و تصنيف أعضاء المجموعة إلى مع و ضد و حيادي.

 في حال إزدادت هذه التناقضات داخل مجموعة العمل عن حد معين فإنها ستؤدي بها إلى الشلل و وقفها عن العمل المنتج و تحولها إلى خلية مضطربة تعج بالخلافات و الأحقاد و إذا طال بها الأمد دون أن تتمكن من حل هذه الإضطرابات أو تنظيمها فإنها ستؤدي إلى إنفراط عقدها.

أضف إلى ذلك، إن معظم الأعمال في بيئة الثورة هي أعمال تطوعية و إتفاقاتها أدبية لا تتمتع بطريقة قانونية أو رسمية لتثبيتها و لا يوجد دائما بالضرورة جهة قانونية للتحكيم و الفصل في الخلافات قبل إستفحالها، مما يؤدي في غالب الأحيان إلى تفاقم الإختلافات الصغيرة بالشكل الذي قد يخرجها عن السيطرة.

و من حيث النتيجة فإن الكثير من الأفراد أو المجموعات الذين لم يجدوا لأنفسهم الدور المقنع الذي يرغبون به ضمن مجموعة العمل التي يعملون بها و في نفس الوقت ليس لديهم رغبة بالدخول في حالات صراع و تنافس هدام مع الآخرين غادروا مجموعاتهم و أسسوا مجموعات عمل جديدة تتيح لهم الأدوار التي كانوا يطمحون لها في مجموعتهم الأولى. و في ظل ظروف الثورة التي لم يتبلور فيها العمل المؤسساتي بشكل واضح تكاثرت لدينا المجموعات و التنظيمات بشكل هائل و تقلصت أحجامها لتتألف من أفراد معدودين في أغلب الأحيان.

فقط المجموعات المنفتحة القادرة على التعامل مع الآخر و مواجهة التحديات بشجاعة من خلال الحديث الصريح عن العلاقات والإشكالات فيها بما يمكنها من تحقيق قدر أدنى من التفاهم و مرونة نسبية في تبديل الأنماط و الأدوار و الأهداف هي المجموعات القادرة على النمو و التطور بشكل سليم و صحي.

 

2 العمل المؤسساتي كأداة للتطور و الارتقاء:

الانتقال بالعمل الثوري إلى النمط المؤسسي هو انتقال تفرضه ضرورة استيعاب تطور أفراد المجموعة الذي جاءت الإشارة له فيما تقدم، و هو تطور يترافق عادة مع إكتسابهم لمهارات جديدة من خلال الخبرة التي إكتسبوها في عملهم يدفعهم للبحث عن دور جديد لهم في المجموعة. تغيير الأدوار هذا يتحول عادة إلى تضارب مصالح قد يؤدي إلى شلل المجموعة أو إنهيارها و هذا ما عانت منه أغلب المجموعات و الكيانات الثورية في الواقع السوري.

من هنا يصبح توافر آليات العمل المؤسسي شرطاً لازماً لاستمرار أي عمل جماعي تشاركي، حيث تقوم هذه الآليات بخلق المناخ الإداري السليم و الذي يضع توصيفاً واضحاً للأدوار و المسؤوليات و تعريفاً لحدودها و هوامش تداخلها و طبيعة الأطر الناطمة للعلاقات التي تصل بين أفراد المجموعة و معايير الانتقال من دور لآخر بشكل يحافظ على سلامة الاصطفاف الداخلي برغم الحركة الدؤوبة الملازمة لنمو التجربة. 

و عليه فأن العمل المؤسساتي يقوم بما يلي:

  • تحويل القواعد و النواظم المتفق عليها إلى نظام داخلي مكتوب
  • تحويل الأدوار و طريقة توزيعها إلى هيكلية واضحة و مكتوبة و تشرح طريقة توزيع الأدوار أو تدويرها و تترك هامش للتطور و التغيير.
  • تحويل الأهداف و القيم التي كانت أساس تشكل فريق العمل إلى أهداف و إستراتيجيات ينجم عنها برنامج عمل يستوعب الجميع و يعمل على تحقيق الغاية من مجموعة العمل.
  • كما و يقوم كذلك بتحديد الأطر القانونية و التنظيمية للفصل في الخلافات و القضايا الإشكالية

و بهذا فالمؤسسة قامت بتأطير و تنظيم طريقة تبادل الأدوار في المجموعة بشكل قانوني يوظف تطور الأفراد و إزدياد خبرتهم في خدمة تطور المؤسسة بدل أن يؤدي تطور الأفراد من خلال عملهم إلى تهديم المؤسسة التي يعملون بها. كما تساهم المؤسسة في إبطاء ديناميكية التغيير في الفريق بالشكل الذي يسمح له بالعمل المستقر و الثابت و تساهم أيضا في توحيد الفهم المشترك الجماعي لأهداف المجموعة و  لموضوع عملها. و في حال أمكن تسجيل المجموعة في أي دولة مجاورة فهذا سيخلق لها حالة من الإستقرار و المرجعية القانونية و القضائية التي ستساهم في تعميق إستقرار المؤسسة و الحد من نسبة الفساد فيها.

 

 

3 العوائق التي حالت دون تحول كيانات الثورة للمؤسسات:

لم تستطيع أغلب الكيانات الثورية السورية التحول إلى مؤسسات قادرة على مراكمة الخبرات و إدارة الطاقات بالشكل الذي يضمن تجاوز العقبات و ضمان سلامة سير أعمال المؤسسة.

و لعل توافر عنصر الاستقرار يعتبر شرط أساسي للعمل المؤسسي بينما الواقع أن هذا العنصر هو من أكثر الأمور ندرةً في المشهد السوري سيما في بداية الأحداث الجارية. فيما يلي شرح لأهم الأسباب التي نعتقد أنها حالت دون هذا التحول المطلوب:

 

3-1 صعوبة التواصل: أسباب تقنية و أسباب ثقافية

لا شك أن مسالك الاتصال بين النشطاء  عانت من تحديدات واقعية غاية في القسوة، ليست تقف عند الرقابة الاستخباراتية التي تهدد الأمن الشخصي للناشط، و لا في تردي البنى التحتية لتكنلوجيا الاتصال الحديثة، إنما في جملة من الأسباب الموضوعية يمكن تصنيفها ضمن أسباب تقنية و أخرى ثقافية على النحو التالي:

 

الأسباب التقنية:

 كما هو معروف فإن الضغط الأمني و التنكيل الشديد بالمعتقلين فرض شروط صعبة للتواصل بين العاملين في الثورة و خاصة في داخل سوريا، ما دفع بهذا التواصل ليكون قائماً على مايلي: 

  • عبر شبكات التواصل الاجتماعي التي يتيحها فضاء الانترنت كالسكايب أو الفيسبوك، دون تواصل مباشر، و في أغلب الأحيان لا يعرف الناشط عن من يكلمه إلا أنه ثقة و موثق من طرف فلان و لا يعرف عنه الكثير و أغلب الناشطين كانوا يتعاملون بأسماء وهمية
  • بين أناس لا تجمعهم قبل الثورة روابط و إنما تعرفوا على بعض من خلال النشاطات الثورية
  • إضافةً إلى تردي كفاءة التواصل الالكتروني في تلبية متطلبات الثوار نظراً لتخلف قطاع الاتصالات في سوريا عموماً و محدودية هذا النمط من التواصل في قدرته على ضمان المستوى المطلوب من حماية الأمان الشخصي للناشط.

جميع الظروف المذكورة أعلاه جعلت من التواصل بين الناشطين منقوص و غير قادر على نقل كامل الصورة بالشكل الكافي لبناء الثقة المستقرة و رسم الحدود السليمة في التعامل بين الأفراد. حيث تقتصر الرسالة هنا على الكلمات و تغيب لغة الجسد التي يتيحها أي لقاء بين شخصين من حركات اليدين  و الوجه و بالتالي غياب الإنطباع البصري و الذاكرة المكانية و غير ذلك من عناصر الاتصال  التي تساهم في رسم حدود واضحة لكل شخص في تصرفاته بالشكل الذي يؤسس لعلاقة سليمة بين الطرفين. كما أن محتوى أي رسالة يتم إيصالها لأي طرف آخر يتم تفسيرها دائما حسب نوع العلاقة بينهما و طبيعتها، و لكن طبيعة الظروف السابقة لا تساعد على تأسيس علاقات صحية و مستمرة. فنفس العبارة يمكن فهمها على أنها مديح أو إستهزاء أو إستفزاز، و المحدد الذي يعطي التفسير الصحيح هو طبيعة و نوع العلاقة القائمة بين المتحدثين.

 كما أن بيئة التواصل عبر  السكايب تسهل التواصل مع عدة أشخاص في وقت قصير أو حتى في وقت واحد مما يسرع من ديناميكية بناء التحالفات و المؤامرات و يسرع كذلك إمكانية فرط عقدها بالشكل الذي يحرم أي عمل جماعي من الإستقرار.

 يمكن القول أنه لا يمكن بناء مؤسسة كاملة  مستقرة من خلال الإتصال فقط عبر الإنترنت لفقدان أغلب الأسباب الضرورية للتواصل الصحيح و اللازم لتمتين أواصر العلاقات فيها و تثبيت أسسها.

 أسباب ثقافية :

لا شك أن غياب الأطر التي تنظم العمل الجماعي خلال الأربعين السنة الماضية حرمت أجيال عديدة من إكتساب مهارات التواصل و التعامل التي يحتاجها الإنسان العامل ضمن فريق. فالعمل الجماعي يحتاج إلى منظومة من المهارات مثل: القدرة على الإستماع والقدرة على التفاوض, القدرة على التفهم و تجاوز الإشكالات و بناء التحالفات و تقديم الأهم على المهم و غيرها مما تزخر به مراجع علم بناء المؤسسات.

فالمراقب لمعظم الأعمال الجماعية في زمن الثورة يجدها إما عائلية أو فئوية أو طائفية أو مناطقية بالشكل الذي يجعل الفريق دائما صغيرا و محدودا بعدد قليل من الأفراد المنسجمين مع بعضهم و مرد ذلك عدم قدرتهم على التعامل مع أفكار مختلفة و الخروج عن ما هو مألوف بالنسبة لهم. بدأت الكثير من الكيانات و الأعمال كبيرة و جمعت الكثير من التوجهات و الرؤى و لكنها مع مرور الوقت إما إنتهت لمجموعة فئوية قامت بإخراج كل من لا يتفق مع فكرها خارج الفريق أو تحولت إلى مجموعة مختلطة غير منسجمة و فاقدة لموضوع العمل الجماعي الذي أسس له الفريق و بالتالي تكون غير منتجة و غير فاعلة. أغلب هذه التجمعات تحولت لتجمعات وظيفية إستفادت من الأسم العريض الذي إستطاعت تحقيقه في بداية العمل الجماعي و أنتهى بها المطاف بعدة أشخاص يستخدمون هذا الأسم لتحقيق أهداف سياسية حزبية أو فئوية أو مصالح شخصية.

يمكن تصنيف  سلوك مجموعات العمل المنغلقة في التعامل مع الإختلاف و التعارض الناجم عن الأفكار الخارجة عن أطر المألوف لديها بأحد الأشكال التالية: 

كبح الإختلاف و التعارض: و يكون ذلك عن طريق التواصل و التعامل بشكل سطحي بين أفراد المجموعة بحيث لا يتم السماح بالوصول للمستوى الذي يمكن أن ينجم عنه إختلاف و تعارض. و لكن هذا الأسلوب لا يسمح أيضا بإنجاز أعمال ضخمة أو معقدة. و قد يصلح لفريق عمل مؤقت تم إنشاءه لفترة معينة من أجل إنجاز مهمة معينة ثم يذهب أفراده كل بحاله.

الإقصاء و العزل: التعامل بإقصاء مع من لا نتفق مع آراءه و ذلك بعدم دعوته للتشارك في العمل في المجموعة أو الحرص على إستبعاده دون الآخرين مما يحول المجموعة إلى لون و إتجاه واحد مع مرور الوقت و بالتالي تحويلها إلى مجموعة فئوية. و في حال كان الإقصاء متعرض لمجموعة أشخاص داخل المجموعة فإن ذلك سيخلق حالة توتر قد تنتهي بالإنقسام و تأسيس مجموعة جديدة من رحم الأولى.

اتوظيف القوانين التنظيمية لقمع الرأي المخالف: و ذلك يتم عادة من خلال التصويت على موضوع الخلاف و حسمه عن طريق ديكتاتورية الأغلبية بدل نقاشه و تقليبه و محاولة البحث عن حلول. هذه الطريقة تترك أيضا جروح غير مندملة و تؤدي لنشوء توتر و تخلق عداءات بين أفراد الفريق.

بناء التحالفات: يحاول البعض كسب الآخرين لطرفهم من خلال إقناعهم و بناء تحالفات معهم و بالتالي تحويل المعارضة لأقلية و هذا الأمر كان متوفر بسهولة في بيئة الثورة عن طريق إستخدام شبكات التواصل الإجتماعي الذي أتاح فرصة التحدث مع عدة أشخاص في وقت واحد في نفس الوقت الذي يتم به عرض  الفكرة للنقاش أو التصويت.

 

3-2 مفهوم التمثيل و القيادة في ظروف الثورة:

عند ظهور تنسيقيات الثورة في الأحياء و القرى التي أنطلقت فيها المظاهرات تم تقديمها على أنها قيادة للثورة في مناطقها و الإنطلاق على أنها تمثل الثورة في المناطق التي ظهرت بها. ثم إعتمدت بعد ذلك  معظم الكيانات الثورية في بنائها على تمثيل مناطق أو تمثيل التنسيقيات التي تمثل بدورها مناطق تواجدها. و لكن طريقة التمثيل المتبعة لا يمكن أن تصنع قيادة و إنما تصنع نخبة.  أعضاء البرلمان في كل العالم هم نخبة من المجتمع تقود المجتمع و تضع التشريعات له بقوة القانون و ليس بقوة التمثيل أو بقوة الفكر. لا يمكن صناعة قيادة بهذا الأسلوب في ظروف الثورة لأسباب عديدة: أهمها ضبابية مفهوم التمثيل و غياب القوة التنفيذية التي تصنع من النخبة قيادة.

كما أن ظهور التنسيقيات و ظهور هذه الكيانات و التنظيمات قام بمبادرة من أصحابها الذين وجدوا ضرورة لها من أجل تنظيم عملهم, و لم يكن بتفويض أو بدعوة من سكان أي منطقة من المناطق و بالتالي لا يمكن لأي جهة أن تدعي حق التمثيل الحصري لمنطقة ما و تطالب الآخرين بالإنضواء تحت جناحها. و بالتالي فإن إدعاء حصرية التمثيل هو إقصاء للآخر ينتهي غالبا بعزل صاحبه و  تحويله عمله إلى نادي مغلق .

التمثيل الحصري يكون فقط عن طريق التمثيل الصحيح عبر الإنتخاب الصحيح و هذا غير متوفر في بيئة الثورة إلا في  بعض المناطق المحررة  لا في جميعها. و بالتالي لا يمكن حصر تمثيل الثوار في أي مكان بجهة واحدة تدعي  شرعية التمثيل.

كما أن القيادة الحقيقية تكون بالفكر الصحيح و الجامع. يمكن لفكرة صحيحة يحملها شخص أن تمثل السوريون كلهم و لكن لا يمكن لشخص أن يمثل منطقة أو مجموعة أشخاص فضلاً عن قيادتها في ظل غياب الآليات الصحيحة لتحقيق ذلك.

و بالتالي فإن الجهود الكثيرة و الكبيرة التي سعت لجمع عدة كيانات تحت جهة واحدة من أجل توحيد الجهود أو توحيد الثوار و الموقف السياسي للثورة باءت بالفشل الذريع و ذلك لإغفالها موضوع عدم صحة مفهوم التمثيل و القيادة و آلية و توزيع الأدوار و ديناميكية تغييرها، و توازن المصالح و المنافع الفردية التي أدت إلى تكاثر و توالد هذه الكيانات بدل من توحيدها و ذلك للأسباب و التي سبق و أشرنا لها في فقرة تعارض الأدوار أعلاه.

 

 

3-3 ضعف الخبرات و فقدان النخب و الكفاءات:

عندما إنطلقت الإنتفاضة الشعبية في المدن و القرى السورية خرج المئات من الشباب الغاضبين و الثائرين بغرض التمرد على واقعهم يحملون مطالب التغيير التي تحقق لهم مستقبل أفضل. كان أغلب المتظاهرين الذين أشعلوا فتيل الثورة من الشريحة العمرية ما بين ١٦ إلى ٣٥ سنة كحد أقصى. أما الشرائح العمرية الأعلى فكانت مشاركتها في الثورة أضعف و لعل مرد ذلك لما رسب في ذاكرتهم من أحداث حماة و أخواتها في الثمانينات, كما أن روح المغامرة و حب التغيير تضعف لدى الإنسان مع تقدم العمر.

كان الجيل الأول من المتظاهرين يضم كوكبة من المثقفين و أصحاب الشهادات الجامعية و الفكر المتنور الذين خرجوا في الثورة و لديهم تصور لما يريدون أن يصلوا إليه و هو  أوسع من مجرد إسقاط النظام. لم يطل المقام بهؤلاء حيث أنه لم تمضي الأشهر الستة الأولى من الثورة حتى أستشهد أغلبهم أو أعتقل أو أضطر لمغادرة سوريا تحت وطأة الملاحقة الشديدة. فقد أدرك النظام الحاكم منذ الأيام الأولى للثورة أهمية هذه الشريحة فكانت مستهدفة بشدة دون غيرها من باقي شرائح الثورة لأنها تمثل البوصلة الصحيحة لتوجيه الثورة و إخراجها من دوائر ردة الفعل و وضعها في مكان الفعل الصحيح. فالكثير ممن دخلوا المعتقل في الشهور الأولى للثورة من حملة الشهادات الجامعية أو أصحاب النشاطات الفكرية  لم يخرجوا إلى اليوم. بعد سنة من الثورة لم يتبقى منهم في الداخل إلا النذر اليسير و في نفس الوقت إستقطبت الثورة شرائح كثيرة و أعداد غفيرة من المشاركين في الثورة الذين لم يمتلكوا قبلها أي تجربة إدارية أو حزبية، كما أن تجربتهم في الحياة لا زالت في أولها بحكم أعمارهم اليافعة مما حرمهم من إمتلاك ملكات إدارية كانت ضرورية من أجل قيادة الكيانات الثورية التي عملوا من خلالها.

إن أي عمل جماعي يحتاج مشروع مؤسس بطريقة سليمة و على فكر صحيح و يحتاج كذلك لقيادة ناجحة قادرة على إدارة هذا المشروع و التعامل مع الأطراف المختلفة من شركاء و منافسين و أعداء من أجل إنجاح مشروعها و هو ما لم يتوفر في أغلب الأحيان للكثير من الهياكل الثورية السورية.

 

3-4 التمويل و التدخل الخارجي:

هناك الكثير من الدول التي تمتلك في سوريا مصالح و لديها أجندات تسعى لتحقيقها. و نظرا لصعوبة التدخل المباشر في الواقع السوري فإن الكثير من هذه الأطراف سعت للمراهنة على أحد الأطراف في الداخل السوري و مده بالدعم المالي و المادي للإعتماد عله في تحقيق مصالحها, مما أدى إلى تدخل خارجي موجه في منظومة تطور العمل و البناء في داخل مجموعات العمل السورية مما أخل بالأعمال القائمة و التي كانت تتطور بشكل مقبول و أدى لتفتيتها من خلال خلق خلل إداري و تنظيمي. حيث أعطى دخول المال السياسي القادم عن طريق أفراد للداخل السوري سلطة و قوة لهؤلاء قد لا يكونوا مؤهلين لها بالضرورة. و بالتالي فإن دخول الدعم المالي عن طريق أفراد من دون وجود خطة عمل واضحة لطريقة التعامل مع هذا الدعم يكون له في أغلب الأحيان أثر سلبي في بنية و هيكلية المؤسسات و مجموعات العمل و في أغلب الأحيان ينتهي بها إلى التشظي لأنه يعمل على إعادة تموضع نقاط القوة و القرار في داخل العمل الجماعي و يثير التنافس الهدام حول الموارد المحدودة.

 

 

4 نتائج و إستخلاصات

تميزت الثورة السورية بعدة ظواهر لم تظهر في أياً من النزاعات المشابهة في العالم:

  • الدفق الهائل للمعلومات و الأخبار و التوثيقات لعمليات القتل و الإنتهاكات و المظاهرات رغم التضييق الامني الشديد و وحشية النظام في التعامل مع المعارضين و صعوبة التواصل في الداخل السوري و صعوبة الإتصال مع الخارج، فأعداد الفيديوهات التي توثق لأحداث الثورة تقدر بالملايين و أعداد الجهات الإعلامية العاملة على نقل الصورة و المعلومة تقدر بالمئات و كذلك هناك العشرات من الجمعيات التي توثق لضحايا النظام.
  • التطور السريع و الملفت للنظر في الحركة الشعبية التي نظمت صفوفها في فترة الحراك السلمي من خلال التسيقيات و التنظيمات الأكبر ثم خلق شبكة و بنية تحتية للعمل العسكري بشكل سريع فاق كل التوقعات رغم التضييق الداخلي و الخارجي على الناشطين و على تدفق المساعدات بكافة أشكالها.
  • رغم محاولة الكثير من دول العالم خنق الثورة السورية و العمل المسلح من خلال تجفيف الموارد و منع الأسلحة النوعية من النفاذ إلى التنظيمات الثورية المسلحة إلا أن هذه التنظيمات استطاعت خلال فترة قصيرة جدا خلق صناعة عسكرية محلية وفرت لها الحد الأدنى الكافي للإستمرار و الكافي لإقتحام مخازن النظام و الحصول على حاجاتها من خلاله.
  • رغم فقدان البيئة الصحيحة للتمثيل و الإنتخاب و التنظيم السليم و الشرعي فإنه من الملاحظ أن المدن و المناطق المحررة إستطاعت ضمن الظروف المتاحة لها إدارة مناطقها بشكل مرضي نسبيا مقارنة بالإمكانات المتوفرة داخليا و الخبرات المكتسبة و هو مالم تستطع دول أخرى تحقيقه في ظروف مشابهة خلال سنوات طويلة.
  • يتميز الشعب السوري بنسبة مرتفعة من أصحاب الشهادات و التعليم العالي و كذلك بنسبة مرتفعة من الحضر سكان المدن مقارنة بباقي دول المنطقة و بالتالي فإن فرص التطور الشخصي للأفراد مرتفعة بالشكل الكافي الذي يؤهلهم لإبداع الإنجازات المذكورة أعلاه على صعيد العمل الثوري و العسكري و الذي ترك أثره في الثورة السورية و ميزها عن مناطق النزاع الأخرى في العالم. و لكن كما شاهدنا أعلاه فإن التطور الفردي في غياب المؤسسات الراسخة و القائمة على أسس صحيحة و سليمة و التي لم تعرفها سوريا منذ خمسين عام يؤدي إلى التنافس الهدام و تشظي الأعمال الجماعية و تدميرها بدل تطورها و الإرتقاء بها.

سوريا تتمتع ببنية علمية و بيئة ثقافية و بنية تحتية من الخبرات و الكفاءات مشابه لما هو متوفر في تركيا و لكنها تفتقد المؤسسات الراسخة الموجودة هناك. و في حال إستطاع الشعب السوري إيجاد هذه المؤسسات سيتمكن من إستقطاب الطاقات و مراكمة الخبرات  و بناء الدولة و منافسة الأمم في فترات قياسية وهذا التحدي يحتاج شعباً نصفه من الزعماء و النصف الآخر من الأنبياء و لكن مع الأطر الصحيحة التي تنسق و تنظم الجهود و الطاقات.

 

غياث بلال