عروض تعريفية

 

مشروع إحصاء ملفات الضحايا

المزيد

الكادر

 

يعتمد المركز في عمله على كوادر شابة تجد في أعمال المركز المكان المناسب للانخراط بالنشاط الشخصي البناء على أساس التوافق على الرؤية المستقبلية المشتركة لسوريا المستقبل، حيث الكفاءة و الخلق هما المعيار الحامي لمفهوم تكافئ الفرص على أساس عادل.

 

المزيد

نظرة نقدية للهياكل الإدارية للكيانات و التنظيمات الثورية السورية

نظرة نقدية للهياكل الإدارية للكيانات و التنظيمات الثورية السورية نظرة نقدية للهياكل الإدارية للكيانات والتنظيمات السورية

تشير الإحصائيات في جمهورية ألمانيا الاتحادية إلى أن عدد المنتسبين للأحزاب السياسية في ألمانيا يقارب مليوني إنسان؛ أي ما يعني أن نسبة المنتسبين للأحزاب السياسية و المهتمين بالعمل السياسي لا تزيد عن
(٣٪) ثلاثة بالمئة من الشعب الألماني. و لكن ربع هذه النسبة فقط تواظب على المشاركة في الاجتماعات و اللقاءات الحزبية و نسبة قليلة من هذا الربع المتبقي تساهم في عملية صنع القرار بشكل فعال. و بالتالي فإن نخبة صغيرة جداً هي من تتحكم بصناعة القرار داخل الوسط السياسي الديمقراطي الألماني. و ليست بقية الأنظمة الديمقراطية في العالم ببعيدة عن هذا المثال (راجع النظام السياسي لجمهورية ألمانيا الإتحادية، باول آكرمان).

في وقت مبكر من عمر الديمقراطيات الحديثة ظهر مفكر ألماني في عام ١٩١١ يدعى روبرت ميشائيل و جاء بنظرية مفادها أنه رغم جميع المبادئ الديمقراطية التي تدّعي حكم الشعب لنفسه و بغض النظر عن الأدوات المستخدمة لممارسة هذه الديمقراطية من صناديق اقتراع و أنظمة تمثيل نيابي و غيره فإنه لا بد في النهاية من ظهور طبقة نخبة تتحكم بالقرارات المهمة و تمارس الحكم و تقرر مصير الدولة أو المنظمة أو الحزب. و من حيث النتيجة فإن أي تطبيق لمبدأ سيادة الشعب و حكمه لنفسه سينتهي بطبقة تحكمه باسمه من النخبة. و بالتالي فإن الديمقراطية الحقيقية تعني في الحقيقة صناعة وهندسة نظام  يمنع هذه النخبة من احتكار السلطات و قمع المعارضين بما يسمح بتحقيق وجود معارضة حقيقية و تداول للسلطات.

و لدى التأمل في النظام السياسي في الدول الديمقراطية الحديثة نجد كمّاً هائلاً من التفاصيل التي تسعى لرعاية مصالح جميع الفئات و الأحزاب و التوجهات بما لا يسمح لأي طرف باحتكار السلطة و التمسك بها. و يبدو هذا جلياً بوضوح في النظام السياسي الألماني و الياباني، حيث يحاولان السعي لتحقيق أكبر قدر من التوافق بين أحزاب الحكم و المعارضة في آن واحد من خلال منظومة ضخمة و معقدة من الترتيبات الإدارية للبت في القرارات المهمة في البلاد. و لعل هذا المنحى لدى هاتين الدولتين بالذات هو إنعكاس و رد فعل لماضيهما الإستبدادي قبل الحرب العالمية الثانية أي قبل تبني هذا النوع من الحكم.

على الطرف الآخر من العالم نجد أنه لدى الدول الشيوعية و الإشتراكية أيضاً نخبة من أفراد قلائل تحكم الشعب أيضا باسم سيادة الشعب لنفسه و ربما تكون قد وصلت بطرق قانونية أو مشروعة للحكم في لحظة ما و لكنها استطاعت احتكار السلطات و القوة لنفسها و تفردت بها فتحولت لقوى إستبدادية لم توفر جهداً في القضاء على أي معارضة لها.

الفرق بين الحالتين هو منظومة الحكم التي تطورت عبر فترة زمنية طويلة من خلال الكثير من التجارب و التي تعمل على منع النخبة من احتكار السلطات في الحالة الأولى و لم تنجح في منعها في الحالة الثانية.

جميع الأحزاب التي كانت سائدة في سوريا قبل الثورة هي أحزاب يسارية منبثقة من رحم التجربة الشيوعية و الإشتراكية و بالتالي فإنها ورثت منها أيضاً الهيكليات الإدارية و النظم المؤسساتية التي أدت أيضا كنتيجة منطقية لإنتاج دكتاتوريين جدد وصلوا لقمة هذه الأحزاب و احتكروا قيادتها مدى الحياة، فمارسوا الدكتاتورية طوال عمرهم و لم يعرفوا شيئاً عن تداول السلطات، في الوقت الذي كانوا يطالبون النظام المنتمي لنفس مدرستهم بالتحول الديمقراطي و تحقيق مبدأ تداول السلطات.

لم تعرف المعارضة قبل الثورة خلال الأربعين سنة الماضية أية تجربة حزبية خارج أطر هذه الأحزاب و هيكلياتها التنظيمية و الإدارية، و بالتالي فإن أولى الكيانات الثورية الناشئة في بداية الثورة: "لجان التنسيق المحلية" و "اتحاد تنسيقيات الثورة السورية" و من ثم "الهيئة العامة للثورة السورية" و "المجلس الأعلى للثورة السورية" و ما ظهر بعد ذلك من كيانات و مجالس ثورية في المحافظات كلها استنسخت نفس الهيكلية التنظيمية للأحزاب اليسارية و الشيوعية المؤلفة ببساطة من مكتب سياسي و مكاتب خدمية: مكتب إعلامي و إغاثي و حقوقي و غيره، تستمد شرعيتها من أمانة عامة و لها نظام داخلي يحكم العلاقات بين مكاتبها.

ثم جاء المجلس الوطني و اعتمد نفس الهيكلية التنظيمية أيضا إلا أنه استبدل تسمية المكتب السياسي بتسمية المكتب التنفيذي. إعتمدت هذه الكيانات مبدأ الإنتخابات و الترشيح للمكاتب و للأمانة العامة كنوع من الديمقراطية مع العلم أن معظم أفرادها لا يوجد بينهم سابق معرفة بحكم ظروف النشأة و طريقة التكوين و قلما استطاع البعض الإطلاع على كفاءات البعض الآخر قبل الدخول بأي عملية انتخاب و بالتالي يمكن ملاحظة غياب وجود معايير محددة لعملية الترشيح و التصويت مما يوفر فرص أفضل للكتل الأكثر تنظيما و التي بين أعضاءها سابق معرفة للوصول للأمانة العامة و المكاتب المهمة.

للأسف إتجهت غالبية هذه الكيانات وخاصة في الداخل الثوري لوراثة أمراض أحزاب المعارضة التي كانت قبل الثورة، و ذلك جزئيا من خلال وراثتها لبنيتها الإدارية و االتنظيمية و خاصة من خلال مفهوم المحاصصة و المناطقية، و بالتالي إنحرفت البوصلة لدى أغلب أعضاء هذه الكيانات من هدف كان يوحد الجميع إلى خلاف على عدد المقاعد و نسب النفوذ لكل محافظة أو لكل تنسيقية أو لكل تجمع أو مكون من مكونات هذه الكيانات. كما أن هذه الهيكليات التنظيمية لم تلحظ غياب الجهة القضائية التي تفصل في النزاعات في الأحوال الطبيعية، فكانت تفتقر لجهة أو مرجعية عليا قادرة على حل الخلافات بين مكوناتها المختلفة أو بين أفرادها، و بالنتيجة فإن أي خلاف صغير كان مرشح للتفاقم و التضخم دون إمكانية إيجاد حل مؤسساتي له. واضطرت كذلك معظم هذه الكيانات لاعتماد التواصل عبر الإنترنت كطريقة أساسية للتواصل بسبب الضغط الأمني داخل سوريا و صعوبة تحقيق التواصل الحقيقي و الاجتماع الفيزيائي بشكل طبيعي. و بالتالي لم يطل الوقت بهذه الكيانات حتى تحول أغلبها إلى نخب منفصلة عن واقعها بدرجات متفاوتة، تسعى لقيادة قواعدها و إكتساب المشروعية من خلال الخدمات الثورية و الإجتماعية التي تقدمها. و في غياب الإطار التنظيمي الصحيح و غياب الكوادر المؤهلة و كذلك غياب ثقافة العمل الجماعي المنظم أو الممأسس عن المجتمع السوري لأكثر من نصف قرن فإن هذه الأطر التنظيمية لم تتمكن من التطور إلى مؤسسات حقيقية و في كثير من الأحيان انتهى بها المطاف إلى الأنقسام و التشظي لكيانات أصغر نتيجة صراع هذه النخب على مراكز السلطة و القرار فيها، أو تحولها لكتلة عطالة خامدة غير قادرة على الإنتاج أو التطور. و هذا الأمر ليس مستغرب في الحقيقة، فالتجربة الشيوعية على مدى ثمانين عاماً لم تنتج أحزاباً أو كيانات قادرة على تحقيق نتائج أفضل من هذه النتائج و هنا يصدق قول الشاعر: تستغربين من سقمي فصحتي هي العجب. و لكن المستغرب حقيقة هو استنساخ هذه الأطر التنظيمية في كل كيان جديد ينشأ من دون الوقوف قليلاً لمحاكمة صلاحيتها و مدى فعاليتها و مناسبتها للغرض الذي جئنا بها من أجله و استنساخ الأخطاء و الثغرات في كل تجربة جديدة. 

تحاول هذه العجالة تسليط الضوء على بعض مكامن الخلل في الهيكلية الإدارية التنظيمية في هذه الكيانات و الهيئات و ليس الخوض في كل الأسباب التي حالت دون تطورها لتصبح مؤسسات راسخة. للمزيد حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى "دراسة حول أسباب عدم نجاح الأعمال الجماعية في سوريا".

على الرغم من أن الهيكليات التنظيمية و الإدارية هي من أهم المرتكزات في نجاح أي عمل جماعي، إلا أنها لم تنل حقها من الدراسة والتقييم في تجربة الثورة السورية، و لعل مرد ذلك إلى ضعف الخبرات الإدارية و غياب التجربة و أيضا إلى ضعف الموارد لدى معظم من عمل على إنشاء هذه الكيانات و التنظيمات و عدم الإستعانة بالخبراء المختصين. لا شك أن مجتمعنا اليوم يخوض تجربة جديدة من خلال السعي لبناء سلطات من القاعدة إلى أعلى الهرم و هذا الأمر هو تحدي حقيقي في ظل الظروف الأمنية و المعيشية التي تمر بها سوريا اليوم. و في هذا السياق بدأت في الفترة الأخيرة تجربة إنشاء المجالس المحلية في المحافظات و كذلك تشكيل الأحزاب السياسية و سيكون من المؤسف تكرار نفس الأخطاء التي وقع بها الناشطون و السياسيون في الثورة على مدى السنتين الماضيتين، و بالتالي فإني أدعو جميع القائمين على هذه التجارب للإستعانة بأخصائيين في علوم الإدارة و التنظيم الإداري للمؤسسات لتقديم المشورة  و النصح  كي نضع القواعد السليمة لمؤسسات قائمة على أسس صحيحة و قادرة على الإستمرار و العطاء و الابتعاد عن التجريب و المغامرة إذ أن الوقت والظرف لا يتسع لمزيد من التجارب الفاشلة.

 

ملاحظة:

للمزيد  حول هذا الموضوع  ننصح بالإطلاع على  "دراسة حول أسباب عدم نجاح الأعمال الجماعية في سوريا"

http://www.ngspm.com/2/2606/books/content/view/دراسة-حول-أسباب-عدم-نجاح-مجموعات-العمل-الجماعية-في-سوريا/#.UU2Oz7_sL3I

 

حيث تقوم هذه الدراسة بتحليل الأسباب الإجتماعية و التنظيمية التي أدت إلى فشل مجموعات العمل الجماعي في سوريا أثناء الثورة السورية بشكل خاص و كذاك الأسباب التي حالت دون أن تطور الكيانات و المنظمات الثورية إلى مؤسسات راسخة قادرة على مراكمة الخبرات و التطور المستقر.