عروض تعريفية

 

مشروع إحصاء ملفات الضحايا

المزيد

الكادر

 

يعتمد المركز في عمله على كوادر شابة تجد في أعمال المركز المكان المناسب للانخراط بالنشاط الشخصي البناء على أساس التوافق على الرؤية المستقبلية المشتركة لسوريا المستقبل، حيث الكفاءة و الخلق هما المعيار الحامي لمفهوم تكافئ الفرص على أساس عادل.

 

المزيد

المؤسساتية والحركية مقارنات وترجيحات

المؤسساتية والحركية مقارنات وترجيحات

نحن لا نعني بهذين الكلمتين – المؤسساتية والحركية – المعنى الاصطلاحي لهما فالمؤسساتية لها تعاريف عديدة ولكن نحن نقصد المعنى العام، ونحن سنناقش في هذا المقال المعنى الخلفي أو الروحي للمصطلحين وليس المصطلح العلمي الأكاديمي.

المؤسساتية:

من ذلك فإن المؤسساتية ربما يقصد بها أحياناً البيرقراطية أو التقليدية أو عمل الآلات وفق خطة معينة، هناك خلاف كبير بين علماء الاجتماع وعلماء الإدارة حول تعريفها، و اتهام العمل المؤسسي أنه بيروقراطي أو هو عمل جماعي منظم، واتهامات عكسية تدافع عن المصطلح، و من جملة ما يمكن أن يمر بالقارئ هو أن المؤسساتية يمكن لها أن تكون بيروقراطية وفق شروط معينة ويمكن لها أن تكون كهنوتية في شروط أخرى ويمكن لها أن تكون شيئاً آخر.


ما يهمنا في هذا المقال هو أن المؤسساتية بوصفها البسيط: تنظيم العمل الجماعي بطريقة مهيكلة وفق مجموعات أو خلايا قد يكون فيها هرمية أو تكون مصفوفية، وقد يكون فيها سلطات منفصلة عن بعضها أو مكتب مركزي يصل بين بقية الخلايا العاملة بمعنى قد تكون الهيكلية عنكبوتية أو متسلسلة أو هرمية إلخ.

طبعاً لا يقتصر هذا المصطلح على علم الاجتماع والإدارة ولا حتى السياسة، مثلاً هندسة برمجيات الآلات، برمجة الحاسب، التربية والتعليم، وغيرها كلها تستخدم هذا المصطلح وتعرفه بطريقتها وتستخدمه.

في هذا المبحث يعنينا من المصطلح فقط أمر واحد هو: انعكاسه على الناس وفكرهم وليس عملهم، أي فلسفة المؤسساتية، فقد يسأل سائل وهل هناك أساليب عمل غير العمل المؤسسي أو العمل الجماعي المنظم؟
بالطبع لن يكون جوابنا أن هناك العمل الفردي كمقابل على النقيض للعمل المؤسسي، حيث السؤال هنا عن الأعمال الجماعية، ولكن هناك أشكال أخرى للعمل الجماعي أو بالأحرى هناك فقط أسلوب آخر وهو أسلوب العمل الحركي.

الحركية:

أيضاً لن نخوض بالتعريف الاصطلاحي ولا حتى اللغوي، إنما يهمنا المعنى العام، وربما تساعدنا الاستعانة بالمترادفات في فهم المعنى بشكل أفضل، يمكن القول أنها تعني الروح عن البعض، أو الثورية، أو الهرمية المتماسكة.
في الحقيقة ليس للحركية أسلوب معين، إنها العمل المتناسق البسيط.

إنها تعني التجديد والإبداع والعمل الحر غير المقيد بأصول أو مكاتب أو لجان، فليس هناك مهام، إنما هناك هدف أو مجموعة أهداف من يحققها أولاً فقط وصل لمبتغاه.

من يقرأ عن الحركية يجد أنها سيئة وأن المؤسساتية هي الحل الأمثل وبشكل قطعي، ولكن بحثنا هنا لنقارن بالأمثلة ومن الواقع والإسقاطات ثم نرجح.

و كي لا يضيق القارئ من ضرورة انتظار الوصول لنهاية المقال للحصول على نتيجة ممكن أن تقول أن الحركية ربما تكون أفضل من المؤسساتية، نقف الآن مع الخلاصة بإيجاز و نقول: الظرف والمتطلبات والأهداف هي من تحدد الأسلوب الأمثل وليس البحث النظري، ولكن للأسف معظم الناس أو الشعوب تختار الأسلوب ليس عن تجربة ولا عن دراسة نظرية بل لأن أحدها يتوافق مع البيئة الاجتماعية أو مجموعة المحددات التي رسمت هذا الشخص أو ذلك المجتمع، وفي الحقيقة هذا ما دفع بنا إلى إخراج هذا المقال.

مثال مبسط:

لشرح مبسط عن المؤسساتية والحركية بمثال رمزي ووافي بسيط نقول:
لنفترض أن مدرساً ومعه ثلاثون طالباً في أول أيام الدراسة عمدوا للدخول إلى إحدى قاعات التدريس المخصصة لهم، فوجدوها فارغة من المقاعد الخشبية ووجدوا أن المقاعد متراكمة خارج القاعة، ولا يوجد أحد من العاملين في المدرسة ليقوم بإدخال المقاعد في القريب العاجل، فيقرر المدرس أن يجتهد الطلاب لنقل المقاعد إلى داخل القاعة بالجر أو بالحمل، وبعد ذلك يجلسون لتلقي الدرس.

الأسلوب الحركي:

الأدوار:

  1. دور المدرس هو المنظم للعملية كلها والمشرف عليها، ذلك لا يمنعه من مساعدتهم في الحمل أو الجر.
  2. دور الطلاب حمل المقاعد الخشبية والتي لا يستطيع حملها إلا طالبين أو أربعة.

العقبات:

  1.  باب القاعة الدراسية ضيق لا يتسع لمرور أكثر من مقعد واحد في ذات الوقت، وهو ما يشبه عنق الزجاجة
  2. ثقل وزن المقعد وكبر حجمه
  3. الحواف الحادة للمقاعد و التي قد تسبب أذية للبعض أثناء حملها أو دفعها
  4. ضرورة المحافظة على سلامة الباب و الجدران من الخدش بحواف المقاعد، مما يقيد عملية النقل و يزيد الحركة تعقيداً
  5. عامل الزمن، حيث وقت الدرس محدود.
  6. عامل الضجيج المؤثر على سلامة الاستعداد لتلقي الدرس.

المحفزات:

  1. كاريزما شخص المدرس وعلاقة المحبة و التقدير المتبادلة بينه و بين الطلاب
  2. الدرس الأول في السنة وهو يبدأ بنشاط حركي
  3. التمكن من إنجاز الهدف يعطي شعور بالرضى
  4. إتاحة فرصة امام الحركة واللعب وروح النكتة وإبراز المواهب بما يعرف بـ "تحقيق الذات"

سير العمل:

يبدأ العمل بشكل عشوائي ولكن مع الوقت يصل الطلاب بأنفسهم إلى صيغة تنظيمية بسيطة لتنظيم العمل لأنهم واجهوا بعض المشاكل في ضيق الباب وتعب البعض وخدش بعض المقاعد، ولكن كل ذلك لا يثنيهم ولا يتعبهم فهم محبون للعمل لأنه يمثل لهم نقلة نوعية وإشراقة جديدة خاصة أن المدرس أحياناً يساعدهم تارة ويمدحهم تارة.

يقع الخلاف بين البعض، وهذا أمر طبيعي داخل أي تجمع بشري حيوي، سببه هو التعبير عن الأنا، أو سببه قضية الأفضل والمفضول ، والحسن والأحسن، تبطئ العمل تارة، لكن المرجع لحل المشاكل هو المدرس الذي يعترف به جميع الطلبة، وقوة مقدرة المدرس على حل المشكلات وتلافي سلبيات الحل بتقديم ضمانات ومدائح ومساعدات وقرارات تطيب خاطر الجميع سواءاً المتعدي أو المعتدى عليه.

مع الوقت يبرز بعض الطلاب في تفانيهم أكثر من البعض –وهذا يرجع للفروق الفردية- ومهارة البعض وسرعة التعود على الوضع الجديد، تبرز إبداعات ومهارات لم يكن أصحابها يعرفون أن لديهم تلك الميزات، مثل قوة التحمل، سرعة البديهة، الانتباه للأصوات المحذرة.

غالباً سيكون دور المدرس هو الوقوف بجانب الباب حتى ينبه الطلاب من ضيق الباب وينظم الدخول والخروج.

تقييم العمل:

لهذا الأسلوب من العمل درجة ومنحني بياني إحصائي يستخدمه علماء الإحصاء، فيما لو طلب من نفس الطلاب نقل مقاعد صف آخر، ستكون نتائج أفضل لأنهم اكتسبوا الخبرة، وكانت عندهم ذكرى جميلة ومواقف طريفة وبطولات، لكن بنفس الوقت الخلافات التي ربما نشأت واخمدت أو حلها المدرس ربما ستنمو وتتطور، هذا يعتمد على شخصية المدرس ومقاربته في حل المشاكل و التعاطي معها، ولكن ليس دائماً من المضمون أن يكون المدرس محترفاً في ذلك.

يشبه هذا المثال : عندما تأتي عشر نملات لتجر كسرة خبز صغيرة، كل نملة تمسك قطعة الخبز من طرف مغاير، أي أنهم يحيطون بها من كل الجوانب ويبدأون الجر، سنلاحظ بعد قليل أن ست نملات ستجر كسرة الخبز في الاتجاه الصحيح، مقابل ثلاثة في الاتجاه المعاكس،ونملة واحدة في هذا الاتجاه أو ذاك، ولكن بالنهاية ستمضي كسرة الخبز نحو الجحر ولكن ببطء، هذا أمر سلبي في العمل الحركي أو الروحي أو الثوري، ولكن ربما كان للنملات الثلاثة اللاتي يجررن كسرة الخبز في الاتجاه المعاكس فائدة: صحيح أن العملية صارت ببطء ولكن كسرة الخبز ارتعفت فوق الأرض مما خفف الاحتكاك بالأرض، وأيضاً ستدور كسرة الخبز عدة دوائر ولا تتجه بشكل مباشر.

الأسلوب المؤسساتي:

العمل المؤسسي عمل تشاركي منظم واعي

الأدوار:

  1. المدرس سيكون المشرف العام للعملية كلها، لا يساعد الطلاب، لا يكون معهم إلا في جولة ميدانية خاطفة
  2. سيتوزع الطلاب على وحدات أو خلايا: خلية لتنظيم السير عند الباب الضيق، خلايا متعددة ومنفصلة لحمل المقاعد، خلية لتحدد أي المقاعد يجب أن تحمل أو تجر وأين يجب وضعها وصفها، خلية لمراقبة الانتاجية وترسل التقارير للمدرس،خلية لحل المشاكل، خلية ضبط النظام

العقبات:

كل ما ذكر في طريقة العمل الحركي فالعقبات واحدة، ولكن يلاحظ أن توزيع الخلايا أو مجموعات العمل تخفض من عدد الطلاب الذين يحملون المقاعد مما يزيد في إجهادهم، بسبب توزيع جزء من الطلاب في العمل الإداري والتنظيمي.

لا تبرز هنا المهارات الفردية فإما أن ننجح جميعاً أو أن لا نحقق الهدف جميعاً، فهنا يضمر الجانب الروحي أو العاطفي أو القيمي، لصالح القوانين الناظمة والتعليمات التنفيذية ومعايير الإنتاج الجماعي، كما يضعف الشعور بالمسؤولية مقابل ظهور شكل من الاتكالية نتيجة محدودية النشاط و بالتالي محدودية ضرورات اتخاذ قرارات موقفية، و يضيق أفق الإبداع على حساب نمو الصورة النمطية في الأداء الحركي.

المحفزات:

أيضاً كل ما ذكر هناك في طريقة العمل الحركي، ولكن النجاح سيشكل لدى الطلاب حافز للعمل بشكل جماعي و ينمي فيهم روح الفريق وعدم النزعة للعمل الفردي أو التفاخر بالفرد أو التكبر أو الحسد.

ليس للمدرس كاريزما أو محبة مؤثرة في سير العمل  بالضرورة، لا يفترض حسن النوايا هنا، لأن القوانين والتشريعات هي التي تحدد المهام و صورة أدائها و طريقة الوصول للأهداف، قاطعةً الطريق أمام الاجتهاد الشخصي الارتجالي في الوصول للهدف، ففي هذا الأسلوب: ينفذ الطلاب المهام الموكلة لهم بانضباط كما تفعل الآلة.

ملاحظة:

قد يقول قائل أيضاً في العمل الحركي الطلاب سيكونون مثل الآلة، فإرادتهم مصادرة من قبل المدرس، هذا لو كان المدرس حول العمل إلى استبداد وفساد، وهو متاح له في العمل الحركي ولكن سرعان ما سيثور عليه بقية الطلاب وتفشل العملية كلها، قد يبادر بعض التلاميذ لحمل مقاعدهم التي سيجلسون عليها وحدهم، سيعترض آخرون، ستعم الفوضى في حال الفساد والظلم، سيكثر الضجيج، سينشأ طلاب آخرون ينزوون، وآخرون يتصارعون، وآخرون يطلقون مبادرة صلح وتصحيح مسار منطلقين من أن الجميع متفق على الهدف الأسمى المتمثل في الانطلاق بالسنة الدراسية، ستنشأ قيادات محلية، لن يكون للمدرس سلطة مطلقة هنا، فالضجيج سينتقل لدائرة أولياء الأمور و قاعة المعلمين، سيجعل مدير المدرسة وبقية المدرسين يتدخلون، لن يدوم الفساد طويلاً، بسبب أن الروح والإشراقة موجودة، متجددة وبناءة، روح رفض الظلم والوصول للهدف بأي ثمن وبأي طريقة، وكسر القيود والحواجز.

الحركية قد يشوبها الكهنوت، كهنوت المدرس، أو المتسلط وربما لفترة لا بأس بها، ولكنها ستعيد حركتها، وحين يجد المدرس أن روح الحركة مازالت موجودة عند بعض الطلبة فهو أمام خيارين، إما تجميدهم أو إبعادهم، أو الاقتراب نحو العدل والإنصاف بالقبول بوجود مراكز عدة للتأثير تراقب بعضها و تحاسب و تقوّم.
لو اختار تجميدهم ونجح في ذلك، فإنه سيتابع العمل وستنقل المقاعد كلها وستنجح المهمة، ولو كانت على أكتاف الطلاب المساكين،أو ستنشأ حركة تمرد تجعل العمل كله فاشلاً وسيصاب المدرس بالإحراج، بينما بقية المدرسين قد حققوا أهدافهم ونقلوا مقاعدهم إلى قاعاتهم بنجاح.

سير وتقييم العمل المؤسساتي:

مع الوقت سيصيب العمل بعض الملل والترهل، لا يوجد من يوقظ النفوس ويحفزها، قد يقرر المدرس استراحة، أو يطلب بعض العصائر، ومن ثم سرعان ما سيعود الروتين، بيد أن العمل سيسير بشكل رتيب ومنظم، و ستتوافر الإمكانية لصناعة التقارير وتقديم الأرقام  و إعداد دراسات تحدد كفاءة العمل و أفق تطويره والإنتاجية القصوى.

ربما يشعر بعض الطلاب بالراحة من أن المهام الموكلة إليهم محددة ومجزأة ولها مواقيت معينة، وربما يشعرون بروح الإنتماء للكيان الكبير الواسع، ولكنها روح جافة ولا تبرز الفروق الفردية على صعيد المهارات، ستأتي المكافآت للجميع أو للخلية ، لو كان هناك أربعة يحملون مقعداً و من بينهم واحداً هو صاحب النصيب الأكبر في رفع الحمل، لن تأتيه مكافأة لوحده، بل للخلية كلها. ربما يأتي التكريم للمدرس فقط في المؤتمرات والاجتماعات باسم طلابه.

لن يتم بمجرد التجربة الأولى الكشف عن نقاط القوة ونقاط الضعف لتحسين العمل التنظيمي، فلا بد من ممارسة العمل في عدة قاعات دراسية و إجراء مقارنات و تجريب الخيارات في ظروف عدة.

من سلبيات العمل المجموعاتي، لو أن أحدى الخلايا تعطلت فإن دورة العمل كلها ستصاب بالعطل حتى يتم تدارك الخلل الذي أصاب الخلية، و في مثال المدرسة السابق لو تعطلت خلية مراقبة عنق الزجاجة في الباب الضيق، لحصلت فوضى في إدخال المقاعد وخدش بعض الطلاب وخدشت بعض الأخشاب،  ولكن بالمقابل سيكون من السهل جداً التعرف على مصدر الخطأ مباشرة وسيتم إصلاح المشكلة بسهولة، فلا يوجد هنا أحقاد عاطفية ولا حسد ولا تكبر، فهنا فقط خلايا لها لون أحمر أو أخضر أو أصفر.

سيقول قائل: من سلبيات العمل المؤسسي أنه يخصص عشرة طلاب لحمل المقاعد وعشرين طالباً لمهام إشرافية وإدارية، نقول: هذا لو كانت الخلية المكلفة بالموارد البشرية قد صممت هيكلية غير متزنة، ووافق عليها المدرس، فهناك مقاييس للعمل المؤسساتي مستمدة من الدراسة النظرية للتجربة التطبيقية ومن المنحنيات البيانية الإحصائية، و هي معايير تضبط الأداء السليم و تخفض مستوى الجهود الضائعة، و عدم الاستفادة من هذه المعايير و المحددات سيقود إلى الخلوص لخطة عمل غير متزنة، كتلك الواردة في التساؤل الأخير، و هذه نتيجة لا تعيب العمل المؤسسي ولكن تعيب القائمين عليه.

سيقول قائل: في هذا المثال فإن العمل المؤسسي غير مجدي لصغر حجم العمل، نقول هذا كلام صحيح ففضاء العمل المؤسسي له صفات و شروط إن توافرت صحّ العمل، منها ضخامة العمل وصغره، فلو كان الهدف صغيراً فيمكن أن يحققه عشرة طلاب بالطريقة الحركية.

سيقول قائل: العمل المؤسساتي بطيء، نقول نعم على المدى القريب سيكون  بطيئاً فعند نقل أول عشرة مقاعد سيكون هناك بطء ولكن في العشرة مقاعد الباقية سيتحقق قفزة واسعة في سرعة الإنجاز، وإتقان متصاعد بشكل متطرد، بينما في العمل الحركي قد تكون سرعة الأنتاج خاضعة لموازانات مراكز السيطرة و التأثير وتموجات الأمزجة و الطباع و الرغبات، و قد يخضع لتحقيق الانتصارات التي تعطي دفعة إلى الأمام، ولكن تتباطأ عند عدة حالات فشل متكررة.

حل النزاعات: سيكون سهلاً في العمل المؤسسي، لأن هناك قواعد تضبط العمل وهناك خلية كاملة للمراقبة، وخلية للإصلاح، ....إلخ، حيث التعامل برتوكولي بين الأشخاص، ولن تدخل العواطف هنا.

العمل المؤسسي يتطور للأمام وباستمرار، ويتراكم بالتجربة التي يقرأها العلم بطريقته المنطقية، ولكن لو خطرت ببال أحد الطلاب فكرة إبداعية تسرع نقل المقاعد الخشبية، فإنه ينبغي أن يقدم طلب ويدرس أصولاً ويناقش مع المدرس لمدة طويلة، تكون بهجة وإشراقة الفكرة وحتى اللهفة لتطبيقها قد خفت ضياؤها، فالإبداع هنا ينبغي أن يكون جماعي. فيما بعد ابتدع أتباع المؤسساتية بعض الحلول لهذه المشكلة منها جلسات من العصف الذهني، فرز الكفاءات و تمثيلها بالانتخاب، جلسات منقاشات، تدوير المهام و تبادل أدوار.
مع الزمن لا يمكن لطالب معين عمل في خلية إدارية معينة أن يعمل في خلية أخرى بنفس الكفاءة مثل أن يحمل المقاعد، فحمل المقاعد له طلاب متمرسون فيه وأيضاً الشؤون الإدارية لها طلاب متخصصون ومتدربون فيها بشكل تراكمي خبراتي، فالعمل المؤسسي هو تخصصي، وبالتالي فمهوم الترشيح فيه يقوم على شرط الكفاءة لا على شرط تمثيل المصالح.

في العمل المؤسسي، إذا صممت خلايا العمل أو الوحدات أو المكاتب بشكل منهجي يسهل سيرورة العمل، سترد تقارير إحصائية، ومع الزمن سنصل إلى صيغة تقييم العمل بالدقة، ومنها يستطيع المدير العام أو الهيئة التشريعية أن تتحكم في الإنتاجية المطلوبة خلال خطط مستقبلية، وهنا تكمن خطورة العمل المؤسسي وقوته، فعندنا أداء الآلات كلها ونستطيع إن أردنا أن نشغلها بأمثلية قصوى عندما نريد، وعندما لاتعمل بتلك الأمثلية تتجه التوقعات نحو أسباب شخصية إذ أن قواعد العمل تمتلك من المرونة ما يكفي لتطوير مقدرة العمل على استيعاب ما سوى تلك الأسباب، لأننا نعلم عندها من خلال الإحصائيات والأرقام الوزن الثقلي لكل آلة أو كل خلية أو مكتب، وهنا يبدأ مسلسل عدم الثقة من جديد في حال انحدار أداء المؤسسة في فترات معينة  ويبدأ سيل الاتهامات بسوء النوايا، و هذا أمر خطير.

مثال: في امتحانات الكليات هناك أساليب للأسئلة منها أسلوب الاختيار من متعدد، و هو أن يرافق السؤال جملة من الأجوبة يترتب على الطالب اختيار الجواب الصحيح منها، بعد عدة تجارب  يتم تجميع ألف سؤال من عدة امتحانات سابقة، لكل سؤال وزن ثقلي بالصعوبة وفي حال أراد الأستاذ الجامعي أن يحصل على نسبة نجاح معينة فإنه سيختار مئة سؤال من وزن ثقلي معين يحتم نسبة النجاح شاء من شاء وأبى من أبى، في هذا بحث مطول عن علم الاحتمالات والإحصاء والوزن الثقلي ودرجة الصعوبة ودرجة الإنتاجية.

 

في مثال النمل: صحيح أن النمل يستخدم الأسلوب الحركي في جر كسرة الخبز ولكنه في معظم حياته يعتمد التنظيم المؤسسي فهناك وحدات رصد ووحدات تنظيم الدخول للجحر ووحدات حفظ البيض.... إلخ، كلها تعمل بشكل مستقل عن الأخرى وتعتمد على قوانين غريزية مبرمجة، تمنح تجمعات النمل القدرة على مواجهة تحديات البقاء بشكل جماعي و تمنحها القوة و التماسك.

 

مقارنات:

المؤسساتية هي من العلم بينما الحركية من التجربة.

ليست قاعدة مجردة ولكنها مقاربة، فالحركية تعتمد التجربة، وبالعكس فالمؤسساتية تعتمد على العلم، ولكن الفكر المؤسسي الفلسفي يعتمد على العلم أكثر من التجربة، والحركية تعتمد على التجربة والواقع أكثرمن التنظير، بل ربما تفتقر للتنظيم.

المؤسساتية هي من العقل بينما الحركية من القلب.

فالمؤسساتية تعتمد على الأرقام والإحصائيات والمنطق بأنواعه، الصوري والتجريدي والتجريبي.
بينما الحركية تعتمد على العاطفة والأدبيات الملهمة، هي تعتمد على العقل والعقلانية ولكن ليس لمدة طويلة.

المؤسساتية هي التقليد بينما الحركية هي الإبداع.

قد يقول قائل هذا ظلم للمؤسساتية، فالتنظيم والهيكلة بيئة للإبداع والتطور وعدم الوقوف عند التقليد الكلاسيكي، بينما الحركية هي الكهنوتية، نقول صحيح ولكن مع التجارب البشرية، كل الكهنوت وضعوا أتباعهم في إطار مؤسسي جامد هرمي، وأيضاً الثوريون اعتمدوا في عملهم على المأسسة، أيضاً المؤسساتيون كانوا ضحية الروتين والجمود تحت ذرائع متعددة، هذا ما يدفعنا إلى الدمج بينهما وهذا هو الحل الأمثل فالدمج بين الحركية والمؤسساتية هو طريق الانطلاق لتحقيق الأهداف.

المؤسساتية لها حافز معرفي بينما الحركية لها حافز غريزي سلوكي

في علم التربية وعلم النفس هناك نظريتان: النظرية المعرفية والنظرية السلوكية، أما النظرية المعرفية فهي تعتمد على الوعي والعلم ودراسة الأمور، و أما السلوكية فهي تعتمد على الغريزة والمنعكسات الشرطية واللاوعي، لكل نظرية مدى، تتحقق صحتها فيه وتطبق فيها: فالطفل منذ الولادة وحتى خمس سنوات يعتمد في أغلب أموره على النظرية السلوكية في التربية والتعليم وتبقى هذه النظرية صحيحة حتى آخر عمر الإنسان ولكن بشكل يتضاءل، فلو أنك تريد أن تمتنع عن التدخين عليك اعتماد المنعكسات الشرطية التي تجعلك تبتعد عنه، أما النظرية المعرفية فتعتمد على وعي الإنسان والمنطق والحجة والبرهان في أن التدخين مضر بالصحة وتركه ضروري.
هكذا المؤسساتية تعتمد على التخطيط والمعرفة بينما الحركية تعتمد على الروح والدوافع النفسية لإنجاز الهدف بأي ثمن وبدون خطة ولا ترتيب بالضرورة.

المؤسساتية مقيدة بخطة وهيكلية بينما الحركية حرة ليس لها قالب معين

المؤسساتية لها قوالب محددة تخضع للعلم والبحث والتنظيم والتراكمية والوقت والجداول الزمنية لإنجاز أي هدف كان، بينما الحركية ليس لها لون أو ثوب أو خريطة محددة فهي طليقة من أي قيد، هذا الأمر إيجابي  وسلبي لكليهما فالقولبة والتنظيم والوقت أساس تحقيق أي هدف بشكل تكتيكي مدروس ومؤكد يعطي احتمال واضح المعالم لإمكانية تحقيق الهدف ولكن بعض القوالب والخرائط التنظيمية تجعل من العمل المؤسساتي عقبة كؤود خاصة في حال كان تمددها أفقي على حساب التمدد العامودي وضياع الجهد على التواصل والخطابات وتعيين القرار، في حين أن الحركية لا تلتفت لكل ذلك فما يهمها تحقيق الهدف بشكل مباشر بدون خطط زمنية أو توزيع مهام جزئية نحو الهدف الأخير و تجزيئ الصلاحيات و فصل السلطات، فلو ثبت فشل قالب معين، عمد العاملون إلى قالب آخر، أو بدون قالب كما يفعل النمل.

بالمقابل عدم القولبة قد تكون سبباً مباشراً لضياع الكثير من الفرص والوقت وتجعل تحقيق الهدف حلم رومنسي في حين ربما يكون هو وسيلة لأهداف أخرى.

المؤسساتية تعتمد على تجزئ المهام وتجزيء فهم الأشياء بينما الحركية لا ترى فصلاً في الحكم على الظروف والأمور

المؤسساتية في جوهرها لا تتعلق بالأشخاص بينما الحركية تعتمد بشكل كبير على الكاريزما

و نريد بقولنا "في جوهرها"، اي في النظرية لا في التطبيق، حيث النظرية تسعى لواقع عمل لو غاب فيه أو تغيب شخص أو شخصان ولو كانوا في رأس الهرم في المؤسسة، لن يتعطل العمل نحو تحقيق الهدف و هو ما لا يتوافر في فلسفة النطرية الحركية التي تعتمد على أشخاص لو غابوا لسادت الخلافات.
إلا أنه عند نقل النظرية للتطبيق لن نستطيع الوصول إلى المؤسساتية المبنية بنسبة 100%، ربما تكون النسبة 90% مثلاً، و السبب لا بد من بروز أشخاص لهم تأثير نوعي أو تكتلات داخل المؤسسة لها انتاجية كبيرة، بجميع الأحوال هذا لا يعيب المؤسساتية وهذا ما تتميز به المؤسساتية تماماً، ولكن بالمقابل في منهاج العمل الحركي، سيجد العاملون بديلاً، سيتعلموا من تجاربهم أو سيفشلون بالكلية ليبدأ عمل جديد من الصفر بقيادات جديدة، هناك بعض الهيئات الحركية التي لا ترتبط بأشخاص، فلو غاب الشخص، لم يتعطل العمل لأن الهدف والفكرة ثابتة، ولكن أثبتت التجارب البشرية ندرة هذه الحالات مع وجودها.

المؤسساتية هي الاحتراف والمحترفون بينما الحركية هي الهواية والهواة.

التقنية العالية تؤخذ من المحترفين لا خلاف على ذلك، ولكن أحياناً ينتج الهواة منتجاً ليس بتلك الكفاءة النوعية ولكن فيها روح جمالي لم يخطر ببال المحترف، كيف لا والإبداع ليس حكراً على المحترفين والقدامى، الإبداع وروح العطاء والجمال يوهب للصغار مثلما يوهب للكبار على حد سواء.
مثال ذلك: قد تجد مغنياً حديثاً اكتسح المسارح والشاشات، ليس لديه تلك الخبرة الاحترافية عنده منها حد أدنى مطلوب ومقبول  ولكن لديه طبعة جديدة لم يأت به المحترفون، قد يكون تجديداً لأغاني الماضي، أو اختراعاً جديداً في الأناشيد، لكنه كسر حاجز التقليد، التقليدية أكثر الأمراض التي تصيب المؤسساتية، بالمقابل : إن الطيش والتسرع وتجاوز المعقول هو أكثر الأمراض التي تصيب الحركية.

ترجيحات:

قد تضطر الظروف لمؤسسة ما أن تعمل بطريقة حركية، يصعب على من تعود على التنظيم والتعاون أن يعمل بشكل مباشر، ينشأ مذهب فكري عند الناس يرفضون العمل المباشر، وينشأ مذهب فكري آخر يرفض التنظيم المطلق، و هكذا تتباين المذاهب وهذا حال البشر في كل شيء سنجد هناك مذهبين أو ثلاثة، لا يوجد مذهب أفضل من مذهب إلا بشروط تفرضها الظروف.

سنفترض أن المؤسساتية هي الطريقة السائدة والأفضل وسنعرج على الحالات التي لا تنفع فيها، اي ما هي المرجحات التي تدفع نحو المذهب الحركي في العمل ليكون أجدر بالاتباع:

  1. ضعف الموارد المالية
  2. ضعف الكوادر والخبرات
  3. ضعف إمكانيات و أساليب و مهارات التواصل
  4. ضعف مستويات الأمان والأمن وتضاعف المخاطرة سواءاً المالية أو العسكرية.
  5.  صغر الهدف
  6. بنية المجتمع القائم على التكتلات أو الثقافة الفردية، حيث تسيطر العقلية القطبية
  7. صبغة المجتمع بقوة مهارات أفراده النوعية
  8. وهكذا يستطيع الإنسان أن يجد تلك الشروط من خلال تجربته

 

ستجد أن هناك كثير من الناس يميلون للأسلوب الحركي لأنه منهج روحي عندهم ، فهو يغلّب العاطفة والذكريات والأمجاد ويتغنى بالبطل الذي قاتل عشرين رجلاً وانتصر عليهم ليس بقوته ولكن بدافع أتاه فجأة حتى يخلص الأميرة من الأسر.

ستجد أن هناك كثير من الناس يميلون للأسلوب المؤسساتي لأنه منهج تقني عندهم، يهتم بالتجريد والعقل والبنود المنجزة، لا يهتم للأمجاد ولا للروح، مجموعة الفرسان التي تقاتل معاً وفق خطة عسكرية محكمة أو فريق كرة قدم محترف يحقق انتصارات هو مثاله في الحياة.

 

بالمقابل:

ستجد كثيراً من الناس يميلون للأسلوب الحركي لأنه يمنح الحياة نكهة وروحانية وطعم ويعطي للقيم معناها العميق الذي ليس فيه نفاق أو تلاعب أو تغير، يعطي التجدد والإبداع، ليس هناك ملل، ليس هناك تعقيدات

ستجد كثيراً من الناس يميلون للأسلوب المؤسساتي لأنه يعطي للحياة صفة واقعية علمية تقنية، ليس هناك عواطف وخيالات، يتم تحقيق المصالح ضمن خطة ممنهجة.

 

حالة شائعة:

عادة يبدأ العمل لتحقيق الأهداف بشكل حركي، يجتمع رجال مع بعضهم ويحددون الهدف وآلية العمل لتحقيقيه، يختارون قائدهم ثم يمضون، مع الزمن يزداد عدد العاملين لتحقيق هذا الهدف، تكثر الآراء وتكثر التجارب ويتم التوافق وليس التصويت.

التوافق: هو أن يناقش كل طرف عن رأيه حتى يقتنع الآخر إلى أن يتوصل المجموع لحل وسط أو لفكرة إبداعية تحل تملئ هامش الالتقاء و تدرء الخلاف وتكون بمثابة الميثاق الجامع بين كل الآراء.

بينما التصويت: يعتمد فيه رأي الأغلبية ضمن دائرة صنع القرار، حيث ثقافة التصويت تشيع كثيراً في أوساط العمل المؤسسي.

ولكن مع تقدم الزمان أكثر وانتشار الظاهرة، ظاهرة تحقيق الهدف ونشوء عدة قيادات سيلجؤون لتطوير منهاج العمل نحو العمل المؤسسي، ولكن سيصطدمون بالمشاكل التالية:

  1. المنضمون الجدد للعمل سيطرحون رأيهم بأسلوب طرح يوازي القدامى أصحاب الخبرة وربما بذلك مما قد يهدد بضياع إنتاجهم القديم التراكمي في تحقيق الهدف، ومع تباين الآراء يتخلى الجميع عن التوافق لتعذره باتجاه التصويت الذي يخسر الأقلية المحترفة والخبيرة لصالح غلبة الأكثرية العادية أو أكثرية الهواة
  2. سيأتي أصحاب الخبرات العلمية ليفرضوا قالباً مثالياً لا يتناسب مع الواقع الذي يعمل فيه أصحاب الخبرات العملية والعكس صحيح فيما لو احتدم النقاش فأصحاب الشهادات الأكاديمية سيعتمدون على مبادئ نظرية لم يجربوها بأنفسهم بينما أصحاب الكفاءات المحلية العملية الميدانية وصلوا إلى قناعات وتجارب ناجحة بعد الكثير من الفشل
  3. عندما تفرض المؤسساتية إطار عمل يتيح مجال المشاركة أمام جميع المبادرين قد تضيع الفرصة على الكثير من القيادات الحركية التي عاشت على سدة عرش العمل باذلين له الكثير من العطاء للوصول به نحو غايته
  4. التأثر بهياكل عمل مؤسساتية من تجارب مختلفة الظروف والبيئة قد لا تكون صالحة للاستيراد لتباين المعطيات

 

إن تطبيق المؤسساتية يحتاج إلى حماية لحقوق الملكية والأمان الشخصي وهامش من الارتياح في الظروف المحيطة عموماً، تحتاج لوقت أكبر، إلى اجتماعات تحضيرية ونقاشات وتطوير مستمر.

بالمقابل:

إن تطبيق الحركية تحتاج إلى كمية من القيم الجوانية والأخلاقيات وصورة من التاريخ العريق وتصور للمستقبل المشرق، ستحتاج إلى الأدبيات والمحفزة والتي في حال توافرها سيتحقق الرديف الدافع في المنعكس الشرطي أو سيجلب الوازع في اللاوعي.

في حين أفضل طريقة للنهوض من الفشل المتكرر والذريع هو المنهج الحركي، حيث يعد ضامناً أفضل لتجاوز مرحلة الجمود و التعثر وصولاً لأفق الاختيار من جديد، فالمؤسساتية عندما تفشل لعدة مرات فإن العاملين سيصيبهم عقدة تجعلهم غريزياً يركنون إلى الاستسلام لا ينقذهم ويبعثهم من جديد إلا المنهج الحركي.

 

تبدأ معظم الأعمال بأسلوب حركي ثم تتطور إلى مؤسساتي، ولكن لا ننسى أن لكل مؤسسة بداية وذروة ونهاية، هذا في علم الاجتماع وحتى في علم الإدارة.

ولا ننسى أيضاً أن أي حركة إصلاحية أو تغييرية في التاريخ مرت بتلك المراحل الثلاث،  ولكن لديها بعض الأدبيات التي تدعوها للتجديد ما لم تعبث بها المؤسساتية وهنا يمكننا التطرق لموضوع الدمج ومخاطره ومكاسبه.

الدمج بين الطريقتين:

نذكر أن عنواننا يجب أن يكون: الدمج بين المذهبين، فنحن لا ننقاش الطريقة فهذا يخضع لعلم الاجتماع والعلوم الأخرى، ولكن نحن نقارب الفكرة إلى عقولنا من دون الخوض بالعلوم النظرية التجريدية، منهج الحياة المؤسساتي ومنهج الحياة الحركي.

إذا نظرنا إلى المؤسسات المتقدمة في عصرنا الحالي سواءاً الشركات الكبرى أو حتى الدول سنجد أنها تدمج بين المنهجين، ربما لا تدمج بينهما كطريقة عمل ولكن كفكر فلسفي معمق، على سبيل المثال: في العمل المؤسساتي هناك مكتب تنفيذي أو مجلس إدارة أو دائرة القرار، سيكون لها هامش استقلالية بنسبة معينة لاتخاذ قرار دون الرجوع لباقي الخلايا كما هو المنتظر من عمل تشاركي، هذا الهامش تحدده الضرورة والظروف، هذا وجه من أوجه الدمج، طبعاً بالمقابل ربما يستخدم هذا الهامش بعض الفاسدين لمصالح شخصية ستسبب للمؤسسة الترهل مع الزمن وضعف الأداء الحقيقي  وليس الظاهري.
مثال آخر: في بعض المؤسسات يتم مراعاة بعض العقوبات على العاملين في المؤسسة بسبب تقصيرهم، لأنهم عملوا في المؤسسة كأنها وطنهم وأن هدف المؤسسة هو هدفهم في الحياة.

أوجه الدمج:

  1. أن يكون العمل حركي ثم يدمج بطريقة عمل مؤسسية
    • يكون العمل المؤسسي طريقة لإنجاز المهام الجزئية ولا يشمل قمة الهرم فالقيادات لا تخضع للمؤسسة، مثال على ذلك هو النظام الإيراني حيث إنه يوجد مؤسسة كبيرة ولكن يتحكم فيها القيادات الذين لا يخضعون لنظم العمل المؤسساتي، باختصار.. فالديموقراطيات الصورية هي التطبيق الأشهر و الأكثر مباشرة.
    • أن تعاد الهيكلية من الصفر وتشمل جميع الأفراد بلا استثناء ليتحول المنهج الحركي إلى وسيلة لرسم الإطار الجامع، ثم يظهر المنهج المؤسسي على حساب تلاشي مساحة المنهج الحركي.

يشبه في ذلك الإصلاح الشامل وذلك في اعتماد العاملين في هيكلية مؤسسية جديدة عليهم، سيجدون صعوبات ولكن لو نجحت تجربتهم فإنهم سيحققون الاندماج الناجح الذي لا يضيع إيجابيات أي الطريقتين ويترك سلبياتهما

  1. أن يكون العمل مؤسسي ثم يدمج بصبغة حركية
    • اقتصار الصبغة الحركية على خلية أو مكتب من المكاتب
      وهذا نموذج النظم التي تعتبر أن الحركية هي مواعظ وأغاني محفزة ومكتب إصلاح وحسن نوايا وإرشاد نفسي وديني وهذا ما يعتمد في الأنظمة الملكية أو العلمانية، وهذا ما ندعوه أن تعبث المؤسساتية بالحركية فتفرغ المحتوى الحركي من مضمونه السامي ليصبح بعد زمن مجلبة للتقاعس وكره القيم، ثم يعودون لإقفال المكتب الذي فتحوه للإرشاد والوعظ وجعل المؤسسة بدون حركية.
    • دمج الصبغة الحركية على جميع مكونات المؤسسة ليصبح العمل مؤسسي بروح النشاط والحركة

 لو نجحت تجربتهم فإنهم سيحققون الاندماج الناجح الذي لا يضيع إيجابيات أي الطريقتين ويترك سلبياتهما

  1. أن ينشأ العمل مندمجاً منذ البداية
    لو نجحت تجربتهم فإنهم سيحققون الاندماج الناجح الذي لا يضيع إيجابيات أي الطريقتين ويترك سلبياتهما

 

الدمج بحث مطول وفيه الصعوبة ربما نخوض به في بحث مستقل، ولكن معظم التجارب الحالية فيها دمج، طبعاً الدمج هو الحل الأمثل وهو الشائع تماماً في عصرنا هذا لا يوجد مؤسساتية مطلقة ولا حركية مطلقة ولكن كما أسلفنا هناك نماذج للدمج بعضها سيء وبعضها جيد.

خاتمة:

يتصرف بعض الثوار من النشطاء في الثورة السورية بشكل فردي وبعمل غير مؤسسي ، إنما بعمل حركي ويتمسكون بالعمل الحركي الثوري وكأنه العمل الأمثل وغيره هو العمل الفاشل، قد يكون معهم تبرير هو صعوبة الظروف ، و تجنب تعقيد ميكانيكية اتخاذ القرار المناسب في اللحظة الحرجة في منطق العمل المؤسساتي.

يتصرف البعض بمبادرة سريعة لا تهتم برأي بقية الثوارالمعنيين بذات النشاط المشترك، قد يكون لهم مبرر ، وهذا المبرر نتفهمه من باب افتراض حسن النوايا، وأنهم هم الأمناء وقد جربهم الثوار مدة طويلة، ولكن طبيعة الأمور تقول إن افتراض حسن النوايا لن يطول وقد يأتي أجيال من الثوار لا يدركون تلك الظروف التي جعلت الثوار القدامى يتصرفون بشكل غير مؤسساتي أو بشكل روحاني عملي،الدمج بين المؤسساتية والحركية هو الحل، النقلة مؤلمة لأنها ستنحي القدامى جانباً ونخسر خبرتهم جزئياً لصالح إتاحة المجال لبناء خبرات جديدة، وربما يأتي الجدد لا يعرفون حقائق العمل وليس عندهم خبرة، عندهم شهادات علمية نظرية مثلاً، ولكن على المستوى البعيد ستتحقق الفائدة الكبرى وسينطلق العمل بشكل مهيكل وبرضى الجميع وبأسس وقواعد يمتثل لها الجميع، فلا وجود لهامش للتلاعب أو التراخي، صحيح أننا سنخسر تلك المبادرات التي تمتلكها الحركية ولكن ستكون المبادرات المؤسسية مدروسة برسوخ وتنطلق ببطء بروح الثورية والحركية.

في حين يلجأ بعض الثوار من البداية بتقييد العمل الثوري في الظروف الصعبة بقيود العمل المؤسساتي و كأننا نعيش في دول بحر البلطيق، فيفقد العمل الثوري روحه ويجعله روتينياً ضعيفاً غارقاً في التفاصيل المملة وفاقداً لطلعته الأخاذة ليصبح عملاً يخضع للأرقام.
أذكر منذ بداية الثورة أن أحد الثوار كان يقول: لو حسبنا معطيات هذه الثورة على الورقة والقلم لقلنا إن الثورة يستحيل عليها أن تنتصر، ولكن هناك ترتيب رباني على ما يبدوا يجعلنا على يقين أنها منتصرة بإذن الله تعالى.